الذهبي

1058

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

أقمت معكم حتى شختُ ، فما وُلِّيتُ ولايةً ، حتى كبرتُ وفني عُمري ، فولّوني مِن الحجاز ما فيه القوت ، وإنّما هذا المُلْك لك ولأشباهك ، فقاتلْ عَليْهِ أو دَعْ . ثمّ انحاز داود إلى جهة المُشاش بأثقاله ، فوجّه بها عَلَى درب العراق ، وافتعل كتابًا مِن المأمون بتولية ابنه محمد بْن داود عَلَى صلاة الموسم ، وقال لَهُ : أخرج فَصَلّ بالناس بمِنى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء ، وبتْ بمنى ، وصلَّ الصبح ، ثمّ اركب دوابّك فانزل طريق عَرَفَة ، وخُذ عَلَى يسارك في شِعْب عَمْرو حتى تأخذ طريق المُشاش ، حتى تلحقني ببستان ابن عامر ، ففعل ذَلِكَ ، فخاف مسرور وخرج في أثر داود راجعا إلى العراق ، وبقي الوفد بعَرَفَة ، فلمّا زالت الشمس حضرت الصلاة ، فتدافعها قوم مِن أهل مكّة ، فقال أحمد بْن محمد بْن الوليد الأزرقيّ ، وهو المؤذّن وقاصُّ الجماعة : إذا لم تحضر الوُلاة يا أهل مكّة ، فليُصَلِ قاضي مكّة محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن المخزومي ، ولْيخُطبْ بهم ، قَالَ : فلمن أدعو ، وقد هرب هَؤلاءِ ، وأطلّ هَؤلاءِ عَلَى الدخول ؟ قَالَ : لا تَدْعُ لأحد ، قال : بل تقدم أنت ، فأبى الأزرقي ، حتى قدموا رجلا فصلى الصلاتين بلا خطبة ، ثمّ مضوا فوقفوا بعَرَفَة ، ثمّ دفعوا بلا إمام ، وحسين بْن حسن متوقّف بسَرف ، فبلغه خُلُوّ مكّة وهروب داود ، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة ، فطافوا وَسَعَوْا ومضوا بعد المغرب فأتوا عَرَفَة ليلا ، فوقفوا ساعة ، وأتى مُزْدلفة فصلّي بالناس الفجر ، ثمّ إنه أقام بمكة ، وعسَف وظلم وصادر التجار ، وكانت أعوانه تهجم بيوت التجار لأجل الودائع ، فيتهمون البريء ويعذّبونه ، وأخذ ما في خزائن الكعبة مِن مال . وأما هَرْثَمَة فواقَع أبا السرايا ثانيًا فانكسر ، ثمّ ثبت وانهزم أصحاب أَبِي السرايا ، ثمّ أخذ هرثمة يكاتب رؤساء الكوفة . وفيها وثب عليّ بْن محمد بْن جعفر الصّادق بالبصرة ، واستولى عليها مِن غير حرب . وظهر باليمن إبراهيم أخو عليّ بْن موسى الرضا ، فنفى عاملها عَنْهَا ، وسبي ، وأخذ الأموال ، وكان يقال لَهُ الجزّار لكثرة من قتل .